الديمقراطية ويب

 

 

لمحة تاريخية

قانون حمورابي
وجدت أول مدونة قانونية مكتوبة لحكومة في عهد شريعة حمورابي وكانت لحكومه بابل، والتي يرجع تاريخها الى 1750 قبل الميلاد.[1]  وكان حمورابي بحاجة لتوحيد مملكته المتباينة، ولهذه الغاية قام بارساء قواعد مشتركة تعنى  بالسلوك والتجارة والاخلاص للملك في ظل نظام يشرف عليه القضاة. ويعتبر هذا القانون شديدا بالمقارنة مع المعايير المعاصره: حيث كان يعاقب على العديد من الجرائم بالموت أو العقاب البدني. ومع ذلك فقد كان ملحوظا أنه أول من أدخل فكرة ان الحكومة يجب ان تكون خاضعة للقانون، وان القوانين يجب أن تستند على قواعد عامة غير سرية أوالهية، وان هذا القانون يجب أن يطبق بكفاءة وبعدل من قبل القضاه.

 

الفهم الحديث لأثينا
تشتهر أثينا القديمة في مجال سيادة القانون ،
وتشتهر  تحديدا بمحاكمة وتنفيذ حكم الاعدام بحق الفيلسوف العظيم سقراط في عام 399  ق.م.، وذلك بتهمة الخيانة وإفساد شباب أثينا عن طريق تشجيعهم على النقاش الفلسفي. هذه الحالة التي تقدّم عادة كمثال لحكم الغوغاء الظالم، تخبئ حقيقة مساهمات أثينا القديمة في تطوير مبادئ سيادة القانون.[2] وكان يتم اختيار القضاة والمحلفين في النظام الأثيني عن طريق القرعة من الجمعية العامة المؤلّفة من المواطنين، حيث كان يعتقد أن الحكم يكون بين نظراء متساويين. وكان لجميع المواطنين الحق في تقديم الأمور الشخصية والمسائل العامة أمام المحاكم للفصل. أما في القانون التجاري، فتم إدخال مبدأ العقود الملزمة والقابلة للتنفيذ بين المواطنين على قدم المساواة.وهذا يعني أن القانون لا القوة الغاشمة حدد التبادلات التجارية مساعدا على جعل أثينا مركز التجارة في المنطقة. وعلى الرغم من عدد المحلفين الكبير (والذي بلغ حد الـ5000) الذي كان موضوعا مشتركا للسخرية من قبل النقاد، يبدو أن نظام القضاء الأثيني كان عمل بكفاءة عالية حيث قام المواطنيون بالدفاع عنه بحرارة.وقد كانت هيئة المحلفين مؤلفة من الأقران مع قدرة متساوية بين المواطنين للوصول الى المحاكم ليست سوى بعض من خصائص القانون الأثيني المدرجة من نظم العدالة الأكثر معاصرة.


القانون الروماني

 يذكر معظم العلماء أن القانون الروماني كان من أكثر الأنظمة التي أثّرت على القانون الغربي. وكان القانون الروماني أقل مساواة في الأصل لأن هدفه الأول كان حماية الملاك الارستقراطيين. وعلاوة على ذلك، إنتشر القانون الروماني من خلال الامبراطورية الرومانية وهيمنتها العسكرية. ومع ذلك فقد ساهم القانون الروماني بزرع عدة مبادئ أساسية بخصوص سيادة القانون، بما في ذلك الحاجة الى معرفة الجمهور بالقانون المدني والإجراءات القضائية مع تطوير القانون وفقا للسوابق والظروف، كما ساهم القانون الروماني في تطوير فكرة القانون الطبيعي (الحقوق العالمية للانسان) والتي يمكن أن تقدم أساسا ايجابيا للقانون الوضعي (من صنع الانسان)[3]. وقد استمر هذا التقليد الروماني في عهد الإمبراطورية البيزنطية وقد تم إدراج الكثير منه في القوانين الأوروبية وفي الممارسة في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

 

ماغنا كارتا

 يعتقد العديد من المفكرين ان الفكرة الأكثر أهمية في ما يتعلق بسيادة القانون كمفهوم للحكم هي التوقيع على الماجنا كارتا في انجلترا في عام 1215. ان هذه الوثيقة التي وقعها الملك جون قامت لأول مرة بتحديد سلطات الملك في ما يتعلق برعيايه مانعة اياه أن يرفع الضرائب من دون موافقة البرلمان المنتخب جزئيا (انظر أيضا "القيود الدستورية على الحكومة"). بالاضافة الى ذلك فقد قامت بوضع حدود أخرى لا تقل أهمية:

لا يجوز سجن أي رجل حر أو تجريده من حقوقه او ممتلكاته أو نفيه أو جعله خارج عن القانون أو الانتقاص من رتبته بأي طريقة أخرى ولن يقوم الملك باستخدام القوة ضده أو أن يرسل اشخاصا اخرين ليقوموا بذلك، إلا عبر الحكم الشرعي بين الأنداد أو من خلال قانون البلاد [التأكيد مضاف].

التقاليد الأنغلو ساكسونية

أدى سوء استخدام السلطة من جانب النظام الملك ستيوارت في انكلترا خلال أوائل القرن 17  لاعتماد عريضة المظالم في عام 1610، هذه العريضه هي التي أسست لحق المواطنين في تقديم التماس إلى الحكومة لطلب التعويض بسبب إساءة استعمال السلطة. وقد أدت محاولة تشارلز الأول لتأكيد قوة النظام الملكي المطلق من خلال رفع الجيش دون موافقة برلمانية لاعتماد عريضة من اليمين في 1628 ، والتي رسخت مبدأ عدم فرض ضرائب بدون تمثيل بقوة أكبر في القانون.

ان الجانب الأكثر أهمية من التقاليد الأنجلو سكسونية القانونية، كان إعتماد قانون الإحضار في عام 1679. حيث قام تشارلز الثاني الذي لم تردعه الصراعات الدموية في الحرب الأهلية الإنكليزية (1642- 1651) بين البرلمانيين والموالين أو الفترة الوجيزة من الكومنولث بموجب اوليفر كرومويل وابنه (1653-1659)، بإساءة استعماله لسطلته بسرعة بعد أن أعيد الى العرش. فقام بسجن معارضيه من دون سبب وجيه وحاول اعادة الكاثوليكية باعتبارها دين الدولة وذلك ضد إرادة الشعب والبرلمان الواضحة.

قام البرلمان بالتشديد على صلاحياته عبر قانون الإحضار. وهو مبدأ المثول أمام القضاء، والمعروف أيضا باسم "الوثيقة الكبرى" حيث تؤكد أن هؤلاء الذين كانوا مسجونين يجب ان يمثلوا أمام القضاء ويجب ان يعطوا حق التكلم لتحديد صلاحية وقانونية الإعتقال أو الإدانة ( في اللاتينية هابوس كوربوس وتعني حرفيا "احضار الجسد"). في حين ان المبدأ كان متواجدا لأكثر من قرنين، فان قانون الإحضار (هابوس كوربوس) جعل المبدأ رسميا وأكد على أن الحكومة لا تملك الحق في سجن أحد من دون سبب، ولا تملك الحق في التصرف فوق القانون في ما يتعلق بمواطنيها. وقد أمر القانون "جميع السجانين والعُمد والضباط الاخرين" في عهدة "رعايا الملك" أن يخضعوا لجميع أوامر المحكمة وهذا يعني أنه لا يوجد مسؤول حكومي يمكنه أن يتجاهل القانون. يؤمّن، اليوم، مبدأ المثول أما المحكمة الحماية ضد إساءة إستخدام السلطة من خلال الحكومة أو السجن التعسفي لدوافع سياسية.

استبدلت ثورة 1688 الكاثوليكي جيمس الثاني بابنته ماري البروتستانتية وبزوجها (وكذلك ابن عمتها) وليام البرتقالي على شرط ان يوافقوا على اعتماد مشروع قانون الحقوق الانكليزي الذي اعتمد في 1689. وقد عزز مشروع القانون هذا قانون الاحضار أو المثول أمام المحكمة، وحق الالتماس، وحق رفع التماس بالمظالم، وقد أنشأت مجموعة من المعايير القانونية كبنية دستورية أساسية، مثل الحق في المحاكمة أمام هيئة المحلفين، وحظر استخدام عقوبات قاسية وغير عادية، وفرض قيود على صلاحيات النظام الملكي. أما قانون التسوية في عام 1701 فقد أكد على سلطة البرلمان في تحديد وثبيت الخلافة على العرش.

 

سيادة القانون كحصن منيع ضد طغيان الحكومة

 إعترفت شرعة الحقوق الانكليزية بأهمية الحقوق الايجابية، والتي كان يجري التأكيد عليها من قبل مفكري عصر التنوير.وتشيير الحقوق الإيجابية إلى الإلتزام الأخلاقي لشخص ما، في مقابل الحقوق السلبية، والتي تتطلب فقط غياب أي تدخل. وفقا للعديد من فلاسفة عصر التنوير، فان هذه الحقوق الإيجابية هي أيضا حقوق طبيعية وهذا يعني أنها من حق البشر جميعا ولا يمكن للدولة انتهاكها. ويعتبر ان لا غنى عن هذه الحقوق في مرافقتها لحكومة تمثيلية وقد تم إعتمادها من قبل أنصار الثورتين في كل من فرنسا وأمريكا. ان النسخة الأميريكية من شرعة الحقوق توّسع الحماية الدستورية لتشمل الحق في محاكمة عادلة وسريعة، الحق في عدم تجريم الذات، والحق في مواجهة المتَّهِم (الذي قدّم الاتهام) في المحكمة، والحق في الحماية من التفتيش والمصادرة غير المبررة. شمل دستور الولايات المتحدة معايير سيادة القانون هذه ضمن "الإجراءات القانونية"، والتي تعتبر الحصن الرئيسي ضد أي تهديد من الإستبداد من قبل الحكومة.

توسيع نطاق سيادة القانون

كان لإدماج سيادة القانون والفصل بين السلطات في بريطانيا والقانون الاميركي تأثير كبير على مدى القرنين التاليين، أولا نتيجة لتوسع الامبراطورية البريطانية ، وثانيا نتيجة للتأثير المتزايد للولايات المتحدة كقوة عالمية. وجاءت مبادئ سيادة القانون لترمز إلى التوسع في الحقوق والحريات في جميع أنحاء العالم. والأكثر أهمية، فان الحجج لصالح القانون الطبيعي وللإجراءات القانونية الواجبة وحقوق الإنسان والحكم الذاتي أصبحت الأدوات المستعملة من قبل الحركات الاستقلالية و الديمقراطية في جميع أنحاء العالم. المهاتما غاندي هو من أكثر المدافعين المعروفين وأنجحهم في الجمع بين المطالبة بالحقوق القانونية والمقاومة المدنية ضد القوانين الجائرة. نجح غاندي في إجبار الحكومة البريطانية على الالتزام بمبادئها الخاصة. وقد جذبت هذه الاستراتيجية الكثير من الأتباع.  في الولايات المتحدة، استخدم أتباع غاندي، مثل بايارد روستين ومارتن لوثر كينغ جونيور، أدوات الاحتجاج هذه والمقاومة المدنية لتمكين الأميركيين الأفارقة للتحرك ضد التمييز المقنّن.

 

تقلّص سيادة القانون
تصبح مؤسسات سيادة القانون في كثير من الأحيان أدوات للقمع وذلك في الأنظمة الديكتاتورية،. وفي الواقع، فان الديكتاتوريات تعترف بسلطة القانون كأساس للحكم، كما تقوم الأنظمة الديكتاتورية بتطوير ادعاءات منحرفة بخصوص سيادة القانون.فقد فرضت ألمانيا النازية ودول فاشية أخرى، على سبيل  المثال، نظما قانونية بناءا على السلطة العليا للزعيم وبناءا على ادعاء بتفّوق عرق ما على الأعراق الأخرى.كما فرضت الانظمة الشيوعية الصراع الطبقي على مفاهيم حقوق الانسان "البرجوازية" في كافة القوانين، وأنشأت بعد ذلك سلطة مطلقة للأحزاب الشيوعية للبت في جميع جوانب القانون والحياة. وقد تم أغراء العديد من المفكرين بفكرة شكل أعلى للمساواة على أساس  قانون "وطني" أو "إشتراكي".  وفي الواقع ، لم يكن هناك قانون، بل كان فقط تبريرا لأكثر الإجراءات وحشية - مثل القتل الجماعي والعمل القسري والتطهير العرقي والإبادة الجماعية.

 

 سيادة القانون العالمي
دفعت هزيمة الفاشية وألمانيا النازية لوضع معايير عالمية لحقوق الإنسان وسيادة القانون من خلال اتفاقات مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) واتفاقية مناهضة الإبادة الجماعية (1948) والعهد العالمي للحقوق المدنية والسياسية (1966) واتفاقية مناهضة التعذيب (1984). بالاضافة الى ذلك فقد عززت إنهيار الشيوعية والاتحاد السوفياتي في الفترة 1989-1991 ونهاية نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا في أوائل التسعينات وانهيار الأنظمة الفاشية في أمريكا اللاتينية في الثمانينات والتسعينات سيادة القانون كمبدأ عالمي ضروري ليس في ما يخص العدالة بل أيضا في ما يتعلق بالحكم.

الشريعة الإسلامية

يوجد هنالك تقليد إسلامي قانوني ينافس التعريف الغربي لسيادة القانون على أساس الحقوق الفردية. الشريعة تنطوي على تطبيق مبادئ مقدسة أوحيت للنبي محمد (صلعم) من الله عز و جل. وتعتبر المحاكم الإسلامية (التي تطبق الشريعة) في كثير من البلدان الاسلامية مكملة لمحاكم الدولة في المسائل المدنية والدينية. ويرأس هذه المحاكم رجال الدين الذين يفسرون القرآن الكريم لتطبيقه في حالات محددة حيث يحصل ادعاء بوقوع ظلم أو في حال وجود نداءات للوساطة. وأحيانا، تتبع المحاكم الدينية الإجراءات المعمول بها، وتقوم بدور وساطة لها تأثير إيجابي في المجتمع. إلا أن المحاكم الشرعية الإسلامية قد تصدر أحكاما وفقا لإجراءات بناء على تفسير معين للإسلام أو للعرف الوطني. وهذا يمكن أن يؤدي إلى انتهاكات لأغراض سياسية أو لتعزيز فهم للقرآن من وجهة نظر طائفة معينة أو مدرسة فقهية (الوهابية في المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال).  في مثل هذه الحالات، تعمل المحاكم الدينية  خارج مفاهيم سيادة القانون التي نوقشت أعلاه والتي تركز على تطبيق القانون على قدم المساواة، بالاضافة الى تطبيق الإجراءات القانونية الواجبة، وتوحيد التوقعات ، وهلم جرا. وهكذا ، وفي جميع البلدان الإسلامية حيث تم تأسيس الديمقراطية (وكذلك بعض البلدان الأخرى ذات الغالبية المسلمة) فإن محاكم الدولة تحل مكان المحاكم الدينية وتعلوها شأنا.

في بضعة بلدان، مثل إيران أو أفغانستان تحت حكم طالبان والمملكة العربية السعودية، استعملت العدالة الإسلامية كأداة لفرض ديكتاتورية قاسية استنادا إلى تفسيرات ضيقة للشريعة والنصوص الإسلامية. وفي العقود الأخيرة، انتشر الإسلام المتطرف أيضا إلى بلدان أخرى، وتم استخدامه كأداة للبحث عن السلطة أو فرض إرادة الأغلبية على الأقلية (انظر، على سبيل المثال، الدراسة عن نيجيريا). بالاضافة الى ذلك نشأت بعض الحركات المتطرفة مثل تنظيم القاعدة التي تسعى لتحقيق رؤية متطرفة للإسلام من أجل إقامة دولة دينية عالمية. ومن خلال هذه الرؤية، فان استخدام العنف ضد المسلمين الأبرياء وغير المسلمين على حد سواء مبرر لتحقيق أهداف إسلامية متطرفة. وتشكل هذه الرؤيه تناقض مع أيه أفكار لسيادة القانون وتأتي خلافا لفهم معظم المسلمين للاسلام اليوم.

 


 


 

[1] توجد رموز معروفة من قبل ، مثل أور، ولكن هذه لم يتم اكتشاف سوى جزء منها أو معروفة من النصوص الأثرية الأخرى

 

[2] انظر فيكتور برس  وأدريان لاني، "مدخل إلى النظام القانوني الأثيني" ، في ديموس : الديمقراطية الأثينية الكلاسيكية. المتاحة من خلال رواق إغريقي:  كونسورتيوم للنشر الإلكتروني في العلوم الإنسانية، www.stoa.org.

 

 

 

 

 

 

الديمقراطية ويب 2014